تجد شركة “ميتا” المالكة لفيسبوك وإنستغرام وواتساب نفسها مرة أخرى في قلب الجدل بعد أن كشف أربعة مبلغين، اثنان منهم موظفون حاليون واثنان سابقون، عن وثائق رسمية للكونغرس الأمريكي. هذه الوثائق تتهم الشركة بمحاولة كبح الأبحاث المتعلقة بسلامة الأطفال على الإنترنت، الأمر الذي أعاد النقاش حول مدى التزام ميتا بحماية القصر وشفافيتها أمام الهيئات الرقابية.
القضية ليست وليدة اللحظة، إذ تعود جذورها إلى عام 2021 عندما سربت الموظفة السابقة فرانسيس هاوغن آلاف المستندات الداخلية التي أظهرت أن أبحاث ميتا أثبتت أن إنستغرام قد يؤثر سلبا على صحة الفتيات المراهقات النفسية. هذه التسريبات أثارت ضجة عالمية وأجبرت الكونغرس على عقد جلسات استماع مطولة. ومع ذلك، يقول المبلغون الجدد إن الشركة بدلا من تعزيز الأبحاث، قامت بتعديل سياساتها لجعل دراسة بعض القضايا الحساسة أكثر صعوبة.
تشير الوثائق التي قدمت للكونغرس إلى أن ميتا أوصت الباحثين باستخدام استراتيجيات لتقليل المخاطر، منها إشراك محامين أثناء الدراسات لحماية الاتصالات، إلى جانب اعتماد لغة أقل وضوحا في تقاريرهم، مع تجنب عبارات مثل “غير قانوني” أو “غير متوافق”. هذه الخطوات، وفق المبلغين، تهدف لتخفيف وطأة النتائج عند عرضها على الرأي العام أو الجهات التنظيمية.
أحد الأمثلة التي وردت في الشهادات جاءت من الباحث السابق جيسون ساتيزان، الذي قال إنه اضطر إلى حذف تسجيل مقابلة مع مراهق كشف أن شقيقه الأصغر، البالغ من العمر عشر سنوات، تعرض للتحرش عبر منصة “Horizon Worlds” الخاصة بالواقع الافتراضي. هذه الواقعة تكشف عن ثغرات خطيرة في أنظمة الحماية داخل منتجات الواقع الافتراضي التي تروج لها ميتا باعتبارها مستقبل الترفيه الرقمي.
من جانبها، ردت ميتا ببيان رسمي أكدت فيه أن لوائح الخصوصية العالمية تلزم الشركات بحذف بيانات الأطفال دون 13 عاما إذا جمعت من دون موافقة أولياء الأمور، مضيفة أن الأمثلة الواردة تم اجتزاؤها بشكل يخلق صورة مضللة. وأوضحت الشركة أنها وافقت منذ عام 2022 على نحو 180 دراسة بحثية تتعلق بالقضايا الاجتماعية وسلامة المستخدمين، من خلال مختبراتها الخاصة بالواقع الافتراضي.
غير أن هذه الردود لم تنه موجة الانتقادات، خصوصا مع ظهور دعوى قضائية جديدة رفعتها الموظفة السابقة كيلي ستونليك، التي عملت في الشركة أكثر من خمسة عشر عاما. ستونليك قالت إنها شاركت في وضع استراتيجيات لنشر منصة Horizon Worlds في الأسواق العالمية وبين المراهقين، لكنها وجدت أن المنصة لم تحتوي على آليات كافية لمنع دخول الأطفال تحت سن 13 عاما. وأضافت أن اختبارات عملية أظهرت أن مستخدمين ذوي شخصيات افتراضية ببشرة سوداء تعرضوا لإهانات عنصرية بعد ثوان من دخول المنصة، بما في ذلك استخدام ألفاظ جارحة مثل “قرد” و”زنجي”.
ستونليك لم تتوقف عند هذا الحد، بل رفعت أيضا دعوى منفصلة تتعلق بالتحرش والتمييز على أساس الجنس، وهو ما يزيد الضغوط القانونية التي تواجهها ميتا. وتظهر هذه القضايا أن المشكلة لا تتعلق فقط بحماية القاصرين، بل تمتد لتشمل بيئة العمل الداخلية للشركة وكيفية تعاملها مع الموظفين.
وفي سياق آخر، واجهت ميتا مؤخرا انتقادات بسبب منتجاتها المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، حيث ذكرت وكالة رويترز أن روبوتات الدردشة التابعة لها سمحت في السابق بإجراء محادثات “رومانسية” أو “حسية” مع أطفال، وهو ما أثار قلقا كبيرا بشأن أخلاقيات استخدام هذه التقنيات. هذه المعلومات دفعت صانعي السياسات إلى المطالبة برقابة أكبر على منتجات الذكاء الاصطناعي، خاصة تلك التي قد يتعامل معها المراهقون.
تواجه ميتا اليوم اختبارا حقيقيا؛ إما أن تثبت التزامها بحماية الأطفال، أو تظل فضائحها مصدر قلق عالمي متزايد.







